محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

409

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

كلّ من رامها ؛ فلمّا كبر الابن وكان بارّا بأمّه ، وكان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث يصلّي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمّه ثلثا ؛ فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ؛ فيأتي به السوق ؛ فيبيعه بما شاء اللّه ، ويتصدّق بثلثه ويعطي والدته الثلث ؛ فقالت له ذات يوم : إنّ أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها اللّه - عزّ وجلّ - فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن يردّها عليك ، وإنّ من علامتها أنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها ؛ فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى ، فصاح بها وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ( 178 ب ) فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه ؛ فقبض على عنقها وقادها وأنطقها اللّه تعالى حتّى قالت : اركبني ، فإنّ ذلك أهون عليك . فقال : إنّ أمّي لم تأمرني بذلك ، ولكن قالت : خذ بعنقها ؛ فقالت : البقرة بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا ؛ فانطلق فإنّك لو أمرت الجبل ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل ، لبرّك بأمّك ؛ فجاء الفتى بها إلى أمّه ؛ فقالت له : يا بنيّ ! إنّك فقير ويشقّ عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ؛ فانطلق ؛ فبع هذه البقرة وخذ ثمنها ؛ فقال : بكم أبيعها ؟ فقالت بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ، وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير ؛ فانطلق بها إلى السوق فبعث اللّه ملكا ليختبره في امتثاله أمر أمّه ، ولتظهر قدرته ؛ فقال الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ فقال : بثلاثة دنانير وأشترط رضا أمّي . فقال الملك : ستّة ولا تستأمر أمّك ؛ فقال لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذ ما لا يرضي أمّي . فاستأمر أمّه ؛ فقالت : بعها بستّة على رضا منّي ؛ فجاء إلى السوق وقال للملك : إنّها تأمرني أن أبيعها بستّة على أن أستأمرها . فقال له الملك : إنّي أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها ؛ فأبى الفتى ورجع إلى أمّه ، فقالت : إنّ الذي يأتيك ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليختبرك ؛ فإذا أتاك فقل له : أتامرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ؟ ففعل ذلك فقال له الملك : اذهب إلى أمّك وقل لها : أمسكي بهذه البقرة ؛ فإنّ موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل ، ولا تبيعوها إلّا بملء مسكها دنانير ؛ فأمسكوا البقرة وقدّر على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها ؛ فما زالوا يستوصفون حتّى وصف تلك البقرة جزاء له على برّه بأمّه . قال ابن عبّاس : فاشتروها بهذا الثمن ؛ وقال الربيع بن أنس : وجدوها عند عجوزة ولها يتامى ؛